الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

76

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مجاشع ، وهو جدّ الفرزدق ، يفدي الموءودة ، يفعل مثل فعل زيد بن عمرو بن نفيل . وقد افتخر الفرزدق بذلك في شعره في قوله : ومنّا الّذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم توأد وقد أدرك جدّه الإسلام فأسلم . ولا يعرف في تاريخ العرب في الجاهليّة قتل أولادهم غير هذا الوأد إلّا ما ورد من نذر عبد المطّلب الّذي سنذكره ، ولا ندري هل كان مثل ذلك يقع في الجاهليّة قبل عبد المطّلب أو أنّه هو الذي ابتكر ذلك ولم يتابع عليه . ولا شكّ أنّ الوأد طريقة سنّها أئمّة الشّرك لقومهم ، إذ لم يكونوا يصدرون إلّا عن رأيهم ، فهي ضلالة ابتدعوها لقومهم بعلّة التخلّص من عوائق غزوهم أعداءهم ، ومن معرّة الفاقة والسباء ، وربّما كان سدنة الأصنام يحرّضونهم على إنجاز أمر الموءودة إذا رأوا من بعضهم تثاقلا ، كما أشار إليه « الكشاف » إذ قال : « والمعنى أنّ شركاؤهم من الشّياطين أو من سدنة الأصنام زيّنوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو بالنّحر » . وقال ابن عطيّة : والشّركاء على هذه القراءة هم الّذين يتناولون وأد بنات الغير فهم القاتلون . وفي قصّة عبد المطّلب ما يشهد لذلك فإنّه نذر إن رزقه اللّه عشرة أولاد ذكور ، ثمّ بلغوا معه أن يمنعوه من عدوّه ، لينحرنّ أحدهم عند الكعبة ، فلمّا بلغ بنوه عشرة بهذا المبلغ دعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه واستقسم بالأزلام عند ( هبل ) الصّنم وكان ( هبل ) في جوف الكعبة ، فخرج الزلم على ابنه عبد اللّه فأخذه ليذبحه بين ( إساف ) و ( نائلة ) فقالت له قريش : لا تذبحه حتّى تعذر فيه ، فإن كان له فداء فديناه ، وأشاروا عليه باستفتاء عرّافة بخيبر فركبوا إليها فسألوها وقصّوا عليها الخبر فقالت : قرّبوا صاحبكم وقرّبوا عشرا من الإبل ثمّ اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتّى يرضى ربّكم ، وكذلك فعلوا فخرج القدح على عبد اللّه ، فلم يزل عبد المطلب يزيد عشرا من الإبل ويضرب عليها بالقداح ويخرج القدح على عبد اللّه حتّى بلغت الإبل مائة فضرب عليها فخرج القدح على الإبل فنحرها . ولعلّ سدنة الأصنام كانوا يخلطون أمر الموءودة بقصد التقرّب إلى أصنام بعض القبائل ( كما كانت سنّة موروثة في الكنعانيين من نبط الشّام يقرّبون صبيانهم إلى الصنم ملوك ، فتكون إضافة القتل إلى الشّركاء مستعملة في حقيقتها ومجازها . وقرأ الجمهور : زَيَّنَ - بفتح الزاي - ونصب : قَتْلَ على المفعوليّة ل زَيَّنَ ، ورفع شُرَكاؤُهُمْ على أنّه فاعل : زَيَّنَ ، وجرّ أَوْلادِهِمْ بإضافة قتل إليه من إضافة